عالمٌ أفضل - الجزء الاول - ٢
الرأسمالية
اللائحة العملية
إن النظام الرأسمالي هو العلة والعامل في بقاء سائر المصائب التي تواجه الأنسان المعاصر. فالفقر والحرمان، التمييز واللامساواة، القمع والقهر السياسي، الجهل والخرافات والتخلف الثقافي، البطالة، الافتقار إلى السكن، انعدام الأمن الاقتصادي والسياسي، الفساد والجرائم هي بمجملها حصيلة محتمة لهذا النظام. وفي سعيهم لنفي هذه الحقيقة، يؤكد ممثلو البرجوازية بأن تلك الويلات لم تحدثها الرأسمالية بل كانت جميعها موجودة قبل الرأسمالية، فالاستغلال والسيطرة على محصول عمل المنتجين، الاستبداد، التمييز، اضطهاد المرأة، الجهل والخرافات والدين والبغاء قديمة قدم المجتمع البشري.
أن ما يتم حجبه هنا هو الواقع التالي؛ أولاً، أكتسبت كل تلك الويلات والحرمان في المجتمع المعاصر مضموناً ومعنىً جديدين يتناسبان مع حاجات العالم الرأسمالي ويتم إعادة إنتاجهما بشكل يومي في خضم الرأسمالية المعاصرة كأجزاء لا تتجزأ من هذا النظام. أن مصدر الفقر والجوع، البطالة وانعدام السكن وغياب الأمن الاقتصادي في نهاية القرن العشرين، هو النظام الاقتصادي السائد في نهاية هذا القرن. أن الاستبداد والدكتاتوريات الدموية، الحروب وحملات الإبادة والقمع والقهر التي تشكل حصة مئات الملايين من البشرية المعاصرة من الحياة، تنبع حكمتها من حاجات ومستلزمات النظام السائد في العالم الحالي وتخدم مصالح معينة في نفس هذا العالم. فخضوع المرأة المعاصرة في كل زوايا العالم ليس حصيلة اقتصاد وأخلاقيات القرون الوسطى بل هو حصيلة النظام الاقتصادي والاجتماعي والقيم الأخلاقية في مجتمع اليوم.
ثانياً، أنها البرجوازية والنظام الرأسمالي اللذان يقفان دائماً وبأشد عناد بوجه السعي المتواصل للجماهير الغفيرة في جميع بقاع العالم والرامي للقضاء على تلك المعاناة والمصائب والتخلف. فليس هناك عائق أمام السعي المتواصل للعامل لأجل تحسين الأوضاع الاقتصادية والرفاهية والحقوق المدنية للجماهير الغفيرة سوى البرجوازية ودولها وأحزابها ودعاتها. فالغليانات الجماهيرية الواسعة في المناطق المتخلفة والمحرومة والهادفة إلى التدخل في مصيرها تصطدم بقوى القمع البرجوازية المحلية والدولية كعائق أول. فالدولة، المؤسسة الدينية، المؤسسات والأجهزة الإعلامية الهائلة للبرجوازية، التقاليد والأخلاق والنظام التربوي والتعليمي للطبقة السائدة تهئ كلها الأذهان المتخلفة، المتعصبة والمناصرة للتمييز في صفوف الجماهير وأجيالها المتعاقبة. ليس هناك أدنى شك بأن الرأسمالية والبرجوازية هي التي تشكل السد المانع بوجه نقد العالم المعاصر وتغييره من قبل ملايين الناس الذين لا يعم فقط السخط في صفوفهم من النظام السائد بل يدركون إلى حد ما الخطوط التي ينبغي أن يشيد وفقها مجتمع جدير بالأنسان.
اليوم، حيث يشارف القرن العشرين على نهايته، في وقت وصل فيه الرأسمال والرأسمالية أوج عالميتهما، وفي خضم أعظم الثورات التكنولوجية، فأن البشرية تمر عبرأحدى أخطر مراحل تأريخها. و أصبحت مسألة البقاء الجسدي معضلة تواجه ملايين الناس بدءاً من البلدان الفقيرة في أفريقيا وآسيا وحتى قلب عواصم أوربا الغربية وأمريكا. وبات أمل النمو الاقتصادي للمجتمعات المتخلفة أمراً ميؤوساً منه كلياً. وحل الكابوس الدائم للقحط وانعدام الغذاء وشيوع الأمراض محل أحلام التنمية. وفي أوربا و أمريكا المتقدمتين، وبعد سنين من الركود الاقتصادي العميق، فأن البشرى المبتورة حول "الازدهار من دون تشغيل " هو نفس الكابوس بعينه الذي يواجه عشرات الملايين من العوائل العمالية. وتسود الحروب والقتل الجماعي القارات الخمس. ويجرى الآن أعظم تراجع فكري وثقافي، بدءاً من التصاعد المجدد للخرافات الدينية،النزعة البطريركية، العنصرية، القومية والفاشية وحتى انهيار حقوق الفرد ومكانته في المجتمع واحالة وجود وحياة ملايين الناس من الأطفال والشيوخ والشباب إلى عجلة السوق الحرة التي لا ترحم. تحولت الجريمة المنظمة في أغلب الدول إلى حقيقة قائمة في الحياة اليومية للناس وفي الحياة الاقتصادية والسياسية للمجتمع بأكمله. وبات الإدمان على المخدرات والقدرة المتنامية للشبكات الإجرامية لإنتاجها وتوزيعها معضلة دولية كبيرة يصعب حلها. أن النظام الرأسمالي ومبدأ أصالة الربح أوجدا مخاطر جدية وانتكاسات بيئية لا يمكن إصلاحها. ليس لمفكري وممثلي البرجوازية حتى الادعاء بصدد الرد على تلك الأوضاع. أنها الوقائع العملية للرأسمالية المعاصرة التي وضعت أمام سكان العالم مستقبلاً مرعباً جداً.
أركان الرأسمالية
لاشك أن المجتمع المعاصر هو مجتمع معقد ومركب. فآلاف الملايين من الناس ينتظمون في علاقات اقتصادية واجتماعية وسياسية واسعة ومتنوعة وفي تداخل دائم مع بعضهم البعض. اتخذت التكنولوجيا والإنتاج أبعاداً هائلة وأصبحت الحياة الفكرية والثقافية للإنسان المعاصر شأنها شأن قضاياه ومصائبه أكثر أتساعاً وتنوعاً. إلا أن تلك التعقيدات تبعد الأنظار بالذات عن الحقائق البسيطة والمفهومة التي تشكل الأسس الاقتصادية والاجتماعية للعالم الرأسمالي.
ويشكل استغلال المنتجين المباشرين، أي التملك و السيطرة على قسم من مردود عملهم وإنتاجهم من قبل الطبقات الحاكمة، القاعدة الأساسية للنظام الرأسمالي مثله مثل سائر الأنظمة الطبقية الأخرى. السمة المميزة لكل نظام اجتماعي في المراحل المختلفة طوال التأريخ تكمن في الأسلوب الخاص لهذا الاستغلال الذي يتجسد في كل واحد منها. ففي النظام العبودي لم يكن المالك يستحوذ على مردود عمل العبد فقط بل كان وجوده بكامله أيضاً ملكاً له. العبد يعمل لمالكه ليقوم الأخير بالحفاظ على وجوده حياً. وفي النظام الإقطاعي يقوم الأقنان بتسليم جزء من نتاج عملهم إلى الملاك والنبلاء أو يقومون بأعمال السخرة لهم خلال ساعات أو أيام محددة. إلا أن الاستغلال في النظام الرأسمالي يرتكز على أساس مختلف كلياً.
إذ يصبح هنا المنتجون الأصليون، أي العمال، أحراراً. غير مرتبطين بأحد، لا هم أتباع للملك والأرض ولا هم تحت نير النبلاء. أنهم مالكوا أجسامهم وقوة عملهم وهم أصحاب القرار فيها. إلا إن العمال في هذا النظام " أحرار " من جهة أخرى أيضاً. إذ أنهم لا يملكون أي نوع من وسائل العمل و الإنتاج. لذا فأنهم، ولأجل تأمين معيشتهم مرغمون على بيع قوة عملهم مقابل اجر لمدة معينة للطبقة الرأسمالية، أي لتلك الأقلية الصغيرة المالكة والمحتكرة لوسائل الإنتاج، ليقوموا بعدها بالشراء من الرأسمالي في السوق وسائل امرار معيشتهم وحياتهم، تلك الوسائل التي قاموا بإنتاجها بأنفسهم. أن جوهر الرأسمالية وأساس الاستغلال في هذا النظام هو تحول قوة العمل إلى سلعة من جهة، والملكية الخاصة لطبقة الرأسماليين لوسائل الإنتاج، من جهة أخرى. فلا يمكن تصور وجود المجتمع البشري، ونفس بقاء الأنسان وتأمين حاجاته، في ظل شتى الأنظمة، بدون استخدام وسائل وأدوات العمل من قبل قوة العمل الحية للإنسان وخلق المنتجات الجديدة. إلا إن قوة العمل ووسائل الإنتاج في النظام الرأسمالي قد فصلهما جدار الملكية الخاصة عن بعض. فهناك سلع يجب على أصحابها أن يتقابلوا في السوق. ويبدو الأمر ظاهرياً وكأن أصحاب هذه السلع في السوق يدخلون في تعامل متساو وحر. يبيع العامل قوة عمله لساعات محددة للرأسمالي، أي لصاحب وسائل الإنتاج، ويحصل بالمقابل على أجرة. الرأسمالي، يستخدم قوة العمل ويستهلكها، وينتج منتوجاً جديداً. يتم بيع هذه السلع في السوق ويقوم النقد المستوفى من تلك العملية بوصفه رأسمال، بدء دورة الإنتاج من جديد.
لكن، خلف تلك المعاملة التي تبدو ظاهرياً متساوية بين العمل والرأسمال، تكمن لامساواة أساسية تحدد بدورها مصير كل البشرية المعاصرة بشكل يستحيل خلاص المجتمع وحريته بدون القضاء عليها. يستعيد العامل بألاجرة ما باعه بالتحديد، أي قدرته على العمل وحضوره المجدد في سوق العمل. ان الطبقة العاملة تضمن بعملها اليومي وجودها كعامل، وبقاءها بمثابة بائع يومي لقوة عملها فقط. إلا أن الرأسمال يقوم من خلال تلك العملية بالتراكم والازدياد. أن قوة العمل قوة خلاقة، تقوم بإنتاج قيمة جديدة لشاريها. وان قيمة المنتوجات والخدمات التي يتم إنتاجها كل مرة من قبل الطبقة العاملة تفوق مجموع قيم حصتها هي وذلك الجزء من الإنتاج الذي يتم صرفه لاستبدال وسائل الإنتاج المستهلكة والمندثرة. أن هذه القيمة الزائدة، التي تظهر بصورة كميات من السلع، تعود بصورة آلية إلى الرأسمالي ويضاعف من رأسماله، بسبب ملكية طبقة الرأسماليين لوسائل الإنتاج. إن قوة العمل خلال التبادل مع الرأسمال تقوم فقط بإعادة إنتاج نفسها. بينما الرأسمال ينمو حينما يقوم بالتبادل مع قوة العمل. أن القدرة الخلاقة لقوة العمل والنشاط الخلاق للطبقة العاملة تعكس نفسها بصورة ولادة رأسمال جديد لطبقة الرأسماليين.وكلما عملت الطبقة العاملة أكثر وأفضل ازداد الرأسمال اقتداراً. أن القدرة العملاقة للرأسمال في العالم المعاصر وسلطته المتنامية على الحياة الاقتصادية والسياسية والفكرية للمليارات من سكان الكرة الأرضية، ليست إلا انعكاسا مقلوباً للقدرة الخلاقة للعمل والبشرية العاملة.
وهكذا فأن الاستغلال في المجتمع الرأسمالي ودون الحاجة إلى أغلال وسلاسل حديدية يربط بها المنتجين من أعناقهم وأقدامهم ، يتم في سياق السوق والتبادل الحر والمتساوي للسلع. تلك هي السمة الأساسية للرأسمالية التي تميزها من حيث محتواها عن سائر الأنظمة التي سبقتها.
أن مجمل فائض القيمة الناتج أساساً عن استغلال الطبقة العاملة يتم تقسيمه عن طريق السوق وكذلك في سياق السياسات المالية والنقدية للدول بين الأقسام المختلفة لطبقة الرأسماليين. ويُشكل الربح والفائدة والريع الأشكال الرئيسية لما تحصل عليه مختلف أقسام الرأسمال من مردود الاستغلال الطبقي المذكور. وتحدد المنافسة بين الرساميل في السوق مقدار حصة كل فرع وكل وحدة ومؤسسة رأسمالية.
إلا أن الأمر لا ينتهي هنا. فكل نفقات أجهزة الدولة والجيش والنظام الإداري البرجوازي، وكل نفقات المؤسسات الأيديولوجية والثقافية للمجتمع البرجوازي والمصاريف الهائلة للأفراد الذين يقومون من خلال تلك الأجهزة بالحفاظ على سلطة البورجوازية وحراستها، تؤمن من نفس هذا المصدر. الطبقة العاملة ومن خلال عملها تقوم بدفع نفقات الطبقة الحاكمة، نفقات التراكم المتنامي للرأسمال ونفقات السلطة السياسية والثقافية والفكرية للبرجوازية على الطبقة العاملة نفسها وعلى المجتمع قاطبة.
مع تراكم الرأسمال يزداد باستمرار حجم كميات السلع التي تشكل ثروة المجتمع البرجوازي. النمو المتواصل والمتسارع للتكنيك وازدياد حجم وقدرة أدوات ووسائل الإنتاج التي تستخدمها الطبقة العاملة في كل حلقة إنتاجية جديدة، نتيجةمحتمة لعملية تراكم الرأسمال. ولكن مقارنة بأبعاد أتساع حجم الثروة والقدرة الإنتاجية للمجتمع، فأن الطبقة العاملة يصيبها بشكل مستمر ونسبي حرمان أكثر. وعلى الرغم من الازدياد التدريجي والمحدود في الكمية المطلقة للمستوى المعيشي للعمال في الدول الصناعية المتقدمة على الأقل، فالحقيقة هي السقوط المتسارع لنسبة نصيب الطبقة العاملة من مجمل ثروة المجتمع أثناء عملية تراكم الرأسمال وازدياد عمق الهوة بين المستوى المعيشي للطبقة العاملة وبين المستويات القياسية الممكنة للأمن والرفاه، الناجمة عن سعيها هي. كلما أصبح المجتمع أكثر ثراءً، كلما شكل العامل القسم الأكثر حرمانا فيه.
أن التحسن في مجال التكنيك وزيادة مردودية العمل وقدرته الإنتاجية يعني إحلال الأدوات والأجهزة والآلات والأنظمة الأتوماتيكية محل قوة العمل الحية بشكل متزايد. وفي مجتمع أنساني وحر يفضي ذلك، كقاعدة، إلى تأمين المزيد من فرص التفرغ و التمتع بالحياة للجميع. إلا انه في المجتمع الرأسمالي، حيث قوة العمل ووسائل العمل سلع صرفة استخدمها الرأسمال بهدف كسب الربح، فأن إحلال الآلة محل الأنسان يظهر بصورة البطالة والإبقاء على البطالة الدائمة لقسم من الطبقة العاملة وحرمانهم من إمكانية تأمين المعيشة. أن ظهور جيش احتياطي من العمال العاطلين، الذين ليس لديهم حتى إمكانية بيع قوة عملهم هو النتيجة الحتمية لعملية تراكم الرأسمال والتي تؤمن في الوقت نفسه شرطاً ضرورياً للإنتاج الرأسمالي. أن وجود جيش احتياطي من العاطلين، يديم حياته أساسا من نفقه القسم الشاغل من الطبقة، يشدد المنافسة بين الطبقة العاملة و يبقي على مستوى الأجور في أدنى حدودها الممكنة. ويفسح الجيش الاحتياطي المذكور كذلك الفرصة للرأسمال كي يقوم بسهولة بتقليل أو زيادة قوة العمل اللازمة له وفقاً لحاجات السوق. ليست البطالة إحدى الأعراض الجانبية للسوق أو حصيلة سياسة خاطئة لهذه الدولة أو تلك، بل هي جزء ذاتي لعمل الرأسمالية وعملية تراكم الرأسمال.
أن الأزمات الاقتصادية الدورية بنتائجها الاقتصادية والاجتماعية الوخيمة والهدامة، هي جزء يستحيل استبعاده من النظام الرأسمالي. تنبع هذه الأزمات أساسا من تناقض أساسي في قلب عملية تراكم الرأسمال نفسها: ففي الوقت الذي يشكل العمل مصدرا للربح وفائض القيمة، فأن عملية تراكم الرأسمال والنمو التكنيكي المحتم، يقلص بصورة دائمة نسبة قوة العمل مقارنة بوسائل الإنتاج. فائض القيمة المنتج،حتى إذا ازداد من حيث كميته المطلقة، فأنه عادةً لا يمكنه إن ينمو بصورة متناسبة مع الازدياد المستمر للرأسمال الذي تم ضخه. أن معدل ربح الرأسمال، يميل وفقاً للقوانين المادية لعملية التراكم ذاتها نحو الانخفاض، بشكل لا مناص منه. أن السعي المتواصل للحيلولة دون ذلك الميل والحفاظ على معدل الربح بالأخص عن طريق تشديد الاستغلال والتقليل من حصة الطبقة العاملة من مجموع ثروة المجتمع، التي يتم دفعها بشكل الأجور والخدمات الاجتماعية وغيرها، يشكل أمرا يوميا للطبقة الرأسمالية ودولها المختلفة وكذلك فئات واسعة من المفكرين الاقتصاديين والأخصائيين البرجوازيين في شتى أنحاء العالم.
وبالرغم من كل تلك المساعي، فأن التناقضات الداخلية للرأسمالية وميل معدل الربح نحو الانخفاض، تملي نفسها باستمرار في الأخير ويقع النظام الرأسمالي بمجمله في أزمة عميقة. إن مرحلة الركود والأزمة ليست فقط علامة ومظهر لاحتداد التناقضات الداخلية للرأسمال، بل هي أيضا آلية عملية لتخفيف تلك التناقضات وإعادة بناء الرأسمال. تشتد المنافسة بين فئات الرأسمال وينجر الكثيرون إلى ورطة الإفلاس. ويؤدي ذلك في نفس الوقت إلى إخراج الرساميل الأضعف من الحلقة وخلق ظروف ربحية اكثر ملائمة لتلك التي تبقى. ومن جهة أخرى فأن الطبقة الرأسمالية وحكوماتها في مختلف الدول تبدأ بشن هجوم واسع وبأشكال مختلفة على المستوى المعيشي للطبقة العاملة. كما تتزايد أعداد العاطلين عن العمل بشدة ويشتد كذلك استغلال الطبقة العاملة بأسرها.
يخرج الرأسمال من قلب كل أزمة أكثر تمركزاً وتظهر الأزمة التالية، لا مناص، في أبعاد أكثر أتساعاً وعمقاً وتسبب منافسة وصراعا اكثر احتدادا داخل الطبقة الرأسمالية نفسها. أن تخفيف كل أزمة جديدة يستوجب إعادة بناء أشمل للرأسمال.وبالقدر نفسه فأن الأفاق التي تطرحها البرجوازية كل مرة أمام المجتمع تصبح أكثر ظلاماً ورعباً.
لا تقتصر عواقب ومظاهر تناقضات وأزمات النظام الرأسمالي على الميدان الاقتصادي. فالحروب المدمرة على الصعيدين العالمي والإقليمي، العسكرتارية والتطاول العسكري، إقامة حكومات بوليسية ومستبدة، سلب الحقوق المدنية والسياسية للجماهير وبالأخص الطبقة العاملة، تصاعد إرهاب الدولة و المنظمات اليمينية المتطرفة، وبلوغ الدعايات والضغوط المتخلفة الدينية، القومية، العنصرية المعادية للمرأة اوجها، هي الخصائص البارزة للرأسمالية المعاصرة وبالأخص في مراحل الأزمة.
الدولة والبناء الفوقي السياسي
يدعي المتحدثون بأسم المجتمع البرجوازي بأن الدولة مؤسسة ضرورية نشأت لإدارة المجتمع وفقاً للمصالح العامة والمشتركة لكل أعضاء المجتمع. مؤسسة تعكس، كما يُدعى، الإرادة الجماعية للناس وتحقق السلطة المشتركة لأعضاء المجتمع. يقال أن القوانين السائدة هي مجموعة من المبادئ البديهية والطبيعية والتي اتفق بشأنها أفراد المجتمع وان الدولة ضامنة لتلك القوانين ومنفذة لها. أن تصوير الدولة بوصفها مؤسسة مستقلة تقع خارج المصالح الطبقية المتناقضة داخل المجتمع، هو أحد الأركان الأساسية للأيديولوجيا البرجوازية. هذه الرؤية عن الدولة تمتلك جذورا أقوى بين الجماهير بالأخص في الدول الغربية المتقدمة ذات الأنظمة البرلمانية الأكثر ثباتا. أما في الدول الأكثر تخلفا كذلك، فبالرغم من سيادة الحكومات المستبدة والبوليسية، وعلى الرغم من النظرة السلبية لعامة الناس تجاه الحكومات القائمة، فأن ضرورة الدولة ذاتها ليست موضع سؤال وان نظرة الجماهير للدولة بوصفها مؤسسة مهمتها إدارة أمور المجتمع هي على نفس الدرجة من القوة والمتانة. إن اتساع الدور الاقتصادي للدول وبالأخص تدخلها في ميدان الخدمات الاجتماعية والإدارة والسيطرة الاقتصادية في العقود القليلة الأخيرة، ضاعف بشدة من رقعة هذه التوهمات.
والواقع هو إن الدولة هي وسيلة الطبقة الحاكمة الأهم للإبقاء على إخضاع الجماهير المستغلة. كان ظهور الدولة من الناحية التاريخية حصيلة لنشوء الاستغلال، ظهور الطبقات وانقسام المجتمع إلى طبقات مستغِلة ومستغَلة. وبالرغم من كل التعقيدات في بنية الدول الحالية، تبقى الدولة كما كانت أداة لإعمال العنف وتشكل الجيوش والمحاكم والسجون قاعدتها الأساسية. الدولة هي القوة القمعية المنظمة للطبقة السائدة. أنها أداة تحقيق السلطة الطبقية. أية دولة، مهما اتخذت من شكل ومظهر، مَلَكية كانت أم جمهورية، برلمانية كانت أم مستبدة، هي وسيلة لممارسة دكتاتورية الطبقة أو الطبقات الحاكمة.
في أي نظام،حتى في أكثر الأنظمة العبودية شراسة في العصور الماضية التي لم يكن فيها بالإمكان إخفاء الانتماء الطبقي للدولة، كانت الطبقة الحاكمة بحاجة إلى طرح أساس تضفي به الشرعية على دولتها. المَلَكية والحكم الوراثي، حكم النبلاء، والحكم الديني والإلهي، كانت جميعها أطرا لكسب الشرعية تلك. في المجتمع الرأسمالي، المجتمع القائم على السوق، الذي يتم فيه تصوير العامل والرأسمالي كعناصر " حرة " يقيمون، في الظاهر، تبادلاً اختياريا ومتساوياً، يكون حق الرأي والبرلمان والنظام الانتخابي إطارا أصليا لكسب الشرعية لسلطة الطبقة البرجوازية. تبدو المسالة وكان الدولة أداة لحكم الجماهير بأسرها وتتشكل وفقاً للآراء المباشرة للجماهير نفسها. يعتبر حق الرأي والانتخابات والبرلمان، قطعا، من الناحية التاريخية، مكاسب مهمة لجماهير العمال في سعيها لتوسيع نطاق حقوقها المدنية. ومن البديهي أن الحياة في ظل نظام برجوازي ليبرالي قابلة للتحمل بدرجات أكثر من الحياة في ظل نظام بوليسي ومستبد. إلا أن هذه الأطر ليست بوسعها إخفاء المحتوى الطبقي للدولة المعاصرة. أن جماهير العمال الغفيرة، حتى في الأنظمة البرلمانية الأكثر ثباتا وأكثرها تقدماً وحرية، يتمتعون بأقل القدرات للتأثير على سياسات الدولة وخطواتها. استطاع النظام البرلماني، وبأجراء حدود أقل من العنف وعن طريق تناوب مناصب الدولة بين مختلف أقسام الطبقة الحاكمة من خلال الانتخابات الدورية العامة، تأمينَ سلطة البرجوازية بأسرها على الحياة السياسية والاقتصادية للمجتمع، بصورة غير منازع عليها. ليست الديمقراطية البرلمانية آلية لتدخل الناس في أمور الحكم بل هي وسيلة لإضفاء الشرعية على سلطة الطبقة البرجوازية ودكتاتوريتها.
الثقافة، الأيديولوجيا والأخلاق
أن الاستغلال والتمييز وانعدام الحقوق في أبعاد هائلة كهذه، وفي أشكال سافرة كهذه، لا يمكنها الدوام بدون استسلام و رضا الجماهير المستـغَلة الواسعة نفسها وبدون تبرير تلك العلاقات في أذهان ضحاياها. إن تبرير تلك الأوضاع، واعتبارها ظروفا أبدية وأزلية وطبيعية وتخويف المضطهدين وتحذيرهم من مغبة التصدي لها، هي مهمة البنية الفوقية الفكرية والثقافية والأخلاقية في هذا المجتمع. أن الترسانة الثقافية والأخلاقية للبرجوازية ضد حرية الأنسان وخلاصه، هائلة ومدهشة. أن جزءاً من تلك الوسائل هو من موروث العصور القديمة، إلا أنه تمت إعادة بناءه وتجديده وفقاً لحاجات المجتمع البرجوازي. إن الأديان والمذاهب المختلفة، العواطف والتعصب الأخلاقي المغرق في الجهالة، التعصب القومي، العنصرية، والبطريركية كانت كلها حرابا فكرية وثقافية للطبقات الحاكمة طوال التأريخ لخنق وإخضاع الجماهير العاملة في المجتمع. كل ذلك وبأشكال وطاقات جديدة تستخدم في عصرنا لخدمة الحفاظ على ملكية البرجوازية وسلطتها من تهديد الوعي والتعقل ومن نقد الطبقة العاملة والجماهير المضطهَدة.
إلا أن ما أضافه المجتمع البرجوازي نفسه لوسائل الإخضاع الفكرية والثقافية هو اضخم واكثر فاعلية بكثير. أن الولع بالمصلحة الفردية والمنافسة، أي منطق تحرك البرجوازية في ميدان السوق، يحسب بصورة عامة وكأنه جزء من طبيعة الأنسان و يتم تقديسه بوصفه قيمة إنسانية سامية. أن العلاقة بين البشر في هذا المجتمع هي انعكاس وتابع للعلاقة بين السلع. أن شأن الأنسان وأهميته يحددها موقعه في العلاقة بالملْكية. حطمت البرجوازية التمركز والتركيبة المحلية والمحدودة للمجتمع القديم وأقامت البلدان. حلت القومية والوطنية المعاصرة للبرجوازية، بوصفها أقوى السلاسل الأيديولوجية للطبقات الحاكمة التي تطوق بها أعناق الجماهير عبر التأريخ، محل التعصب الاثني والروح العشائرية والهوية المحلية.
إن الأفكار السائدة في كل مجتمع هي أفكار الطبقة الحاكمة. إلا أن التسلط والسيطرة الفكرية والثقافية والأخلاقية للبرجوازية على حياة مجتمع اليوم، لم يسبق لها مثيل من حيث المدى والعمق. الثورات العلمية والفنية والصناعية العظيمة التي حدثت طوال القرنين الماضيين، وكذلك آليات السوق القوية التي تتخطى سائر الحدود القومية والاثنية والسياسية والثقافية، وفرت للبرجوازية قدرات واسعة للحفاظ على تسلطها الأيديولوجي ونشر مبادئها ومعتقداتها الخرافية على الصعيد العالمي. وفي ميدان إنتاج الأفكار والآراء أيضاً، مثله مثل ميدان إنتاج المحصولات بالضبط، تحولت القدرة الخلاقة للإنسان إلى سلاح بوجهه هو. أن الإبداعات والتطورات التي لا تحصى في القرن العشرين في ميادين تطور الأطر الأدبية والفنية، والتحول الذي طرأ على وسائل الاتصال الجماعية السمعية والبصرية والكومبيوترية وتطور الميادين المختلفة للنشاط الثقافي، أعطى الميدان، بالدرجة الأولى، للقصف اليومي لملايين الناس بالمعتقدات البرجوازية في أشكال أكثر تأثيراً وتعقيداً وتنوعاً. أن ظهور وسائل الاتصالات الجماعية، المعلوماتية والشبكات الإذاعية والتلفزيونية التي تبث عبر الأقمار الصناعية في العقدين الأخيرين، والتي سهلت كثيرا جمع ونقل المعلومات بسرعة في جميع أنحاء العالم، تحولت على أيدي البرجوازية إلى آلة ضخمة لنشر المعلومات المشوهة، وتحميل العقائد وتحريك مئات الملايين من الناس. أن وكالات الأنباء الجمعية وصناعة التمثيل، التي تعتبرمن اكثر ميادين حركة الرأسمال ربحا، وضعت على عاتقها جزءاً كبيراً من الدور التقليدي لمؤسسة الأسرة وسلسلة المراتب الدينية وحتى الأجهزة القمعية في المجتمع وأخذت تلعب دوراً متزايداً في الحفاظ على التوازن الأيديولوجي الموجود في المجتمع و نقل الأفكار والقيم المعنوية والأخلاقية السائدة إلى صفوف الجماهير، وفرض السيطرة الفكرية عليهاوقولبة أذهانها، وعزلها وارهابها وكبح جماح الأفكار والنزعات الانتقادية في المجتمع. وتشكل هذه المؤسسات والأشكال الحديثة للسيطرة الفكرية والثقافية على المجتمع، إحدى الأركان الأساسية للاستقرار السياسي للمجتمع البرجوازي وخاصة في ظروف الأزمة، وتلبد الآفاق وتصاعد الاحتجاجات العامة.
إن النضال ضد الأفكار والآراء والقيم الأخلاقية الرجعية السائدة في المجتمع هو أحد الأوجه الدائمة لنضال العمال الطبقي وإحدى المهام الخطيرة للحركة الشيوعية العمالية.
|